الجصاص
94
أحكام القرآن
من النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) إلى آخر القصة . فذكر في حديث ابن عباس المتقدم في الباب وحديث أبي هريرة أن قوله : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) إنما نزل في أخذهم الغنائم ، وذكر في حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس الآخر أن الوعيد إنما كان في عرضهم الفداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشارتهم عليه به ، والأول أولى بمعنى الآية لقوله تعالى : ( لمسكم فيما أخذتم ) ولم يقل فيما عرضتم وأشرتم ، ومع ذلك فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قوله قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، ومن الناس من يجيز ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم من طريق اجتهاد الرأي . ويجوز أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أباح لهم أخذ الفداء وكان ذلك معصية صغيرة ، فعاتبه الله والمسلمين عليها ، وقد ذكر في الحديث الذي في صدر الباب أن الغنائم لم تحل قبل نبينا لأحد ، وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) ، فكان في شرائع الأنبياء المتقدمين تحريم الغنائم عليهم وفي شريعة نبينا تحريمها حتى يثخن في الأرض ، واقتضى ظاهره إباحة الغنائم والأسرى بعد الإثخان ، وقد كانوا يوم بدر مأمورين بقتل المشركين بقوله تعالى : ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) ، وقال تعالى في آية أخرى : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ) وكان الفرض في ذلك الوقت القتل حتى إذا أثخن المشركون فحينئذ إباحة الفداء ، وكان أخذ الفداء قبل الإثخان محظورا . وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حازوا الغنائم يوم بدر وأخذوا الأسرى وطلبوا منهم الفداء ، وكان ذلك من فعلهم غير موافق لحكم الله تعالى فيهم في ذلك ، ولذلك عاتبهم عليه . ولم يختلف نقلة السير ورواة المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم الفداء بعد ذلك ، وأنه قال : " لا ينفلت منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ) وذلك يوجب أن يكون حظر أخذ الأسرى ومفاداتهم المذكورة في هذه الآية وهو قوله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) منسوخا بقوله : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منهم الفداء . فإن قيل : كيف يجوز أن يكون ذلك منسوخا وهو بعينه الذي كانت المعاتبة من الله للمسلمين وممتنع وقوع الإباحة والحضر في شيء واحد ؟ قيل له : إن أخذ الغنائم والأسرى وقع بديا على وجه الحضر فلم يملكوا ما أخذوا ، ثم إن الله تعالى أباحها لهم وملكهم إياها ، فالأخذ المباح ثانيا هو غير المحظور أولا . وقد اختلف في معنى قوله تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) ، فروى أبو زميل عن ابن عباس قال : " سبقت لهم الرحمة قبل أن يعلموا